مجمع البحوث الاسلامية

101

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذانِكَ بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ . . . القصص : 30 - 32 . فإنّ موسى لمّا رأى عصاه انقلبت حيّة خاف وولّى ، فقال له : أقبل ولا تخف فإنّك آمن ، هذه إحدى الآيتين ثمّ بدأ بالآية الثّانية وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ . . . كبرهان آخر منفصل عن الآية الأولى ، كما صرّح به في ( 8 ) تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرى وفي وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آياتٍ إِلى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ النّمل : 12 . وذكر الزّمخشريّ في أحد وجهين ذكرهما ما يربط بين البرهانين « بأنّه لمّا رأى عصاه حيّة خاف واضطرب ، فاتّقاها بيده كما يفعل الخائف من الشّيء ، فقيل له : إنّ اتّقاءك بيدك فيه غضاضة عند الأعداء ، فإذا ألقيتها حينا تنقلب حيّة ، فأدخل يدك تحت عضدك مكان اتّقائك بها ، ثمّ أخرجها بيضاء ليحصل الأمران : اجتناب ما هو غضاضة عليك . وإظهار معجزة أخرى » فإذا كانت آية اليد البيضاء من تتمّة آية العصا لإزالة الخوف فلتكن وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ من تتمّة الآية الثّانية لإزالة الخوف الحاصل منها ، كما قال البغويّ : « إذا هالك أمر يدك وما تراه من شعاعها فأدخلها في جيبك تعد إلى حالتها الأولى . والجناح : اليد . . . » . وعلى ما ذكرنا فلا يرد ما قاله الطّباطبائيّ من أنّ وساطة اسْلُكْ يَدَكَ يمنع من اتّصال وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ إلى ما قبلها بكونها استمرارا للخوف الحاصل من انقلاب العصا حيّة ، لعدم وساطتها في الآيتين الأخريين ، فإنّه لا ينافي استقلال آية اليد البيضاء ، اتّصالها بالآية الأولى ، فلاحظ وتأمّل . خامسا : جاء ( جناح ) « 25 » مرّة منفيّا دائما ب ( لا ) أو ( ليس ) وفيها بحوث : 1 - إنّه اسم من ( جنح ) جاء بمعنى « الإثم » والمراد به في جميع الآيات نفي الإثم ، قالوا : وإنّما سمّي ( الاثم ) جناحا لأنّ فيه ميل عن الحقّ إلى الباطل ، فهو نظير ( لا باس ) وفائدته الإباحة دائما . 2 - جاء ( لا جناح ) « 17 » مرّة لنفي الجنس ، فتفيد الاستغراق ، مؤكّدا أو مؤبّدا ، وجاء ( ليس جناح ) « 8 » مرّات ، وهي لنفي شيء من الإثم بلا تأكيد ، دون نفي الجنس ، فتفيد نفيا محدّدا دون الاستغراق المؤكّد ، فجاء في ( 9 ) لإباحة قصر الصّلاة للمسافر إذا خاف الفتنة ، وفي ( 11 ) لإباحة التّجارة خلال أيّام الحجّ ، وفي ( 12 ) لإباحة دخول بيوت غير مسكونة فيها متاع لهم ، وفي ( 14 ) لإباحة دخول الأطفال والمماليك على أهل البيت في غير الأوقات المذكورة فيها ، وفي ( 15 ) لإباحة وضع الثّياب للقواعد من النّساء ولإباحة الأكل جميعا أو أشتاتا من البيوت المذكورة فيها ، وفي ( 16 ) لإباحة دعاء الأدعياء خطأ ، وفي ( 23 ) لإباحة أن لا يكتبوا الشّهادة للدّين إذا كانت تجارة حاضرة يديرونها بينهم ، وفي ( 25 ) لإباحة الطّعام إذا اتّقوا وآمنوا . وهذه كلّها أمور بسيطة غير مهمّة في بعض العبادات والتّجارات والحياة العادية ، فلا حاجة إلى نفي الإثم فيها نفيا مؤكّدا ومؤبّدا . أمّا ( لا جناح ) فجاءت أيضا بشأن الطّواف بالصّفا والمروة - وكانت العرب ترفضها رفضا باتّا - كما